فصل: مسألة يسد في خليج بحر للصيد:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة عما صاد المجوسي من الجراد:

قال: وسألته عما صاد المجوسي من الجراد، فقال لي: لا خير فيه إلا إن ابتاعه منه مسلم حيا، فأما ما قطعوا رأسه أو جاءوا به مقتولا فلا خير فيه ولا يؤكل فقلت له: فما قطعوا رأسه أو عملوه قبل أن يأتوا به فلا بأس به؟ فقال لي: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصل مذهبه وقول الجمهور إنه من صيد البر يحتاج إلى التذكية وفدية المحرم إذا قتله، وعلى مذهب من جعله من صيد البحر وأجاز للمحرم أخذه وأكله يجوز أكله إذا صاده المجوسي، وهو قول عروة بن الزبير وروي ذلك عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو مذهب كعب الأحبار على ما في الموطأ عنه من أنه أفتى أصحابه المحرمين أن يأخذوه ويأكلوه، فقال عمر بن الخطاب: ما حملك على أن تفتيهم بهذا؟ قال: إنه من صيد البحر، فقال له: وما يدريك؟ قال: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده إن هي إلا نثرة حوت تنثره في كل عام مرتين.

.مسألة الذبح بالقصبة والعظم:

قال: وسألته عن الذبح بالقصبة والعظم، فقال لي: ليس بالذبح بالقصبة والعظم بأس إذا اضطررت إليه فلم تجد حديدا، قال الله عز وجل: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25].
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها أنه لا بأس بالذبح بما عدا الحديد إذا لم يجد حديدا ولا بأس بأكل ما ذبح بغير الحديد وإن كان واجدا للحديد إذا أنهر الدم بذلك كله، والأصل في جواز ذلك ما روي أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما لها بسلع فأصيبت شاة منها فذكتها بحجر فسئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «لا بأس بها فكلوها»، وما روي عن عدي بن حاتم قال: «قلت يا رسول الله أرسل كلبي فيأخذ الصيد فلا يكون معي ما أذكيه به إلا المدوة والعصا، فقال: أنهر الدم بما شئت واذكر اسم الله إلا العظم والسن». فإن أهل العلم اختلفوا في جواز الذبح بهما لما روي عن رافع بن خديج أنه قال: يا رسول الله إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مدى، قال: «ما أنهر الذم وذكرت اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر، فسأخبرك أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» على ثلاثة أقوال: أحدها: جواز الذبح بهما منزوعين كانا أو مركبين، والثاني: أن الذبح لا يجوز بهما منزوعين كانا أو متركبين، والثالث: أن الذبح يجوز بهما إذا كانا منزوعين ولا يجوز إن كانا مركبين، وإلى هذا ذهب ابن حبيب وهو الصحيح من الأقوال من جهة المعنى واستعمال الآثار، أما المعنى فهو ما قال ابن حبيب من أن الذبح بهما إذا كانا مركبين إنما هو خنق ونهش وليس بذبح، وإذا كانا منزوعين وعظما حتى أمكن إنهار الدم بهما فهما كسواهما مما ينهر الدم وإن لم يكونا ذكيين، وأما وجه استعمال الآثار على ذلك فهو أن قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في حديث عدي ابن حاتم أنهر الدم بما شئت لفظ عام في جواز الذبح بكل شيء يحتمل الخصوص، ونهيه في حديث رافع بن خديج على أن الذبح بالسن وكذا العظم خاص، والخاص يقضي على العام فيحمل على البيان له والتخصيص لما قابله منه، إلا أنه لما احتمل أن يريد النبي، عَلَيْهِ السَّلَامُ بنهيه في حديث رافع بن خديج عن الذبح بالسن والظفر- السن والظفر المنزوعين- وأن يريد بهما المركبين لم يصح أن يخصص من ذلك إلا ما يتحقق أنه أراده منهما وهما المركبان؛ لأنه إذا كان أراد بذلك المنزوعين فقد أراد المركبين لأنهما أولى بالنهي من المنزوعين وإن كان أراد المركبين فلم يرد المنزوعين فتحققنا بهذا أنه أراد المركبين لا محالة وشككنا في المنزوعين، فوجب أن لا يخص من اللفظ العام إلا ما يتحققه لا ما يشك فيه فخصصا منه المركبين وبقي المنزوعان على أصل الإباحة بالأمر العام وهذا أبين.

.مسألة أكل ما مات أو سكر من الحيتان بالسيكران:

فقيل له: إن عندنا بالأندلس أنهارا وبركا ماؤها يكثر ثم يقل فتبقى فيها الحيتان لا مخلص له، فيعمد إلى شجرة يقال لها السيكران فنطرحها في ذلك النهر فتأكلها الحيتان فتموت ومنها ما يسكر فنأخذها بالأيدي، أيؤكل ما مات من ذلك وما سكر؟ قال: لا بأس بذلك، ثم قال: لعل من أكل منها يسكر؟ فقيل له: لا، فقال: لا بأس بذلك وفيها أيضا من يموت بغير شيء فلا بأس بأكله.
قال محمد بن أحمد: إجازته في هذه الرواية لأكل ما مات أو سكر من الحيتان بالسيكران يبين أن كراهيته لذلك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم إنما هو للخوف على من يأكلها لا من أجل أن ذلك يؤثر في ذكاتها إذ لا يحتاج إلى ذكاته وقد ذكرنا هذا هنالك.

.مسألة إذا كان الشتاء قلة اللحوم فلا يكاد يوجد إلا في مجزرة يهودي أفيشترى منه:

وسئل مالك فقيل له: إن بالأندلس إذا كان الشتاء قلة اللحوم فلا يكاد يوجد إلا في مجزرة يهودي أفيشترى منه؟ قال: أما أنا فلا أحب أن أفعل ذلك ولا أن يتخذ اليهودي إماما.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه لا ينبغي للمسلم أن يشتري اللحم في مجزرة يهودي وهو يجد من ذلك مندوحة، فقد كانوا يبتغون لذبائحهم أهل الفضل والإصابة فكيف باليهودي والنصراني والكتابيين.

.مسألة اللبن الذي ماتت فيه خنفساء أترى بأكله بأسا:

وسئل مالك عن لبن ماتت فيه خنفساء، أترى بأكله بأسا؟ قال: لا بأس بأكله إنما الخنفساء في هذا بمنزلة الذباب يموت في الطعام، وهذا الخشاش مثل هذه الأشياء التي لا دم لها فلا بأس بما مات فيه أن يؤكل أو يشرب، قيل له: أرأيت إن باع ما ماتت فيه هذه الخنفساء أترى أن يبين ذلك للمشتري؟ قال: نعم، إني لأرى ذلك إذا باعه أن يبين ما مات فيه لما يكره الناس من هذه الأشياء التي تموت فيها الدواب، فأرى إذا باع ذلك أن يبين ما سقط فيه من هذه الأشياء ولا أرى بأكله بأسا، والعقرب مثل ذلك لا بأس بأكل ما مات فيه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها من أن كل ما لا لحم له ولا دما سائلا من الخشاش فلا يفسد ما وقع فيه ومات من طعام أو شراب، والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم يطرحه فإن في أحد جناحيه سما وفي الآخر شفاء وأنه يقدم السم ويؤخر الشفاء» وفي بعض الآثار فليملغه ومعلوم أنه لضعفه قد يموت إذا غمس في الشراب من ساعته ويلزم على قياس هذا أن يؤكل بغير ذكاة، وهو قول عبد الوهاب في التلقين إن حكم هذه الأشياء التي لا لحم لها ولا دم سائلا حكم دواب البحر لا تنجس في أنفسها ولا تنجس ما مات فيها خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه لا يؤكل شيء من ذلك إذا احتيج إليه حتى يذكى بما يذكى به الجراد مثل الحية والعقرب وبنات وردان والذر والنمل والسوس والحلم والدود والبعوض والذباب وما أشبهه ذلك، وفي تذكية الجراد اختلاف، وإنما أوجب على البائع أن يبين ذلك للمشتري لما قد يكره ذلك بعض الناس تقززا لا لنجاسة، قال مالك في كتاب ابن المواز: وكذلك طافي الحوت، فإن لم يبين كان للمشتري الرد وذلك في طافي الحوت أبين إذ من أهل العلم من لا يجيز أكله على ما مضى فوق هذا في هذا الرسم.

.مسألة الجراد إذا طرح في النار وهو حي:

وسئل مالك عن الجراد إذا طرح في النار وهو حي، قال: ما أرى بذلك بأسا تلك ذكاة، وأحب إلي أن يقطع رأسه، وأرجو ألا يكون به بأس وإن لم يقطع رأسه؛ لأن الجراد يطير وهو يكبر ويصغر فإن قطف رؤوسها كلها واحدا واحدا طال ذلك، فلا أرى بأسا أن تؤخذ فتطرح في المرعف حيا وإن لم تنزع رؤوسها.
قال محمد بن رشد: اختلف في الجراد، فقيل: إنه لا يحتاج فيه إلى ذكاة ويجوز أكل ما وجد منه ميتا، وقيل: إنه لابد فيه من الذكاة وذكاتها أن يفعل بها ما تموت به معجلا باتفاق كقطع رؤوسها أو نقرها بالإبر أو الشوك أو طرحها في النار أو الماء الحار وما أشبه ذلك، أو أن يفعل ما تموت به وإن لم يكن معجلا على اختلاف كقطع أرجلها وأجنحتها وإلقائها في الماء البارد وما أشبه ذلك؛ لأن سحنون وغيره لا يرى فيها ذكاة، وقد قيل: إن أخذها ذكاة وتوكل إن ماتت بعد أخذها بغير شيء فعل بها، وهو قول ابن حبيب من أصحاب مالك، وحكي ذلك عن بعض أصحاب النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وجه القول الأول ما روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أحلت لنا ميتتان ودمان الحوت والجراد والكبد والطحال»، واختلف في تعليل جواز أكلها ميتة بغير ذكاة، فقيل: إن العلة في ذلك أنها من صيد البحر على ما روي عن كعب الأحبار أنها نثرة حوت ينثرها في كل عام مرتين، فأجاز للمحرم أخذها وأكلها، وقيل: إن العلة في ذلك لا لحم لها ولا دم سائل، فمن علل بالعلة الأولى أوجب الذكاة فيما لا لحم له ولا دما سائلا من الحيوان لتحريم الله عز وجل الميتة، وهو مذهب ابن حبيب، ومن علل بالعلة الثانية لم يوجب الذكاة في شيء من الحيوان الذي لا لحم له ولا دم سائل؛ لأنه يدخل في حكم الجراد المذكور في الحديث كما يدخل دواب البحر في حكم الحوت المذكور فيه، وهو قول عبد الوهاب في التلقين، ووجه القول الثاني: أن الله تعالى لما حرم الميتة لقوله عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] فعم ولم يخص حيوانا من غيره ووجب أن يخص من ذلك ما قد أجمع أهل العلم على تخصيصه من ذلك وهو ما يصيده المحرم من صيد البحر.

.مسألة الحوت أيطرح في النار حيا:

وسألته: عن الحوت أيطرح في النار حيا؟ فقال: ما أكره كراهية شديدة وهو إن تركه قليلا مات.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما تقدم في هذا الرسم خلاف ما مضى في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وقد مضى هناك توجيه القولين، فلا معنى لإعادة ذلك.

.مسألة الذكاة في الحلق واللبة:

قال مالك: وأمر عمر بن الخطاب مناديا ينادي ألا إن النحر في اللبة والحلق.
قال محمد بن رشد: أراد ألا إن الذكاة في الحلق واللبة فعبر عن الذكاة بالنحر؛ لأنه جل عملهم في ذلك اليوم يوم النحر من أجل أنه جل عمل الناس، وإن كان قد يذبح فيه ما يذبح كما ينحر فيه ما ينحر، وإنما نادى بهذا على الناس في الموسم يوم النحر بمنى حين نحرهم لهداياهم لئلا يتعدى أحد منهم اللبة في نحره ما ينحر مما ينحر والحلق في ذبحه ما يذبح مما يذبح وعرف مراده به ولم يرد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن يخير في النحر بين أن يكون في الحلق أو اللبة؛ لأن النحر لا يكون في موضع الذبح كما أن الذبح لا يكون في موضع النحر، ألا ترى لو أن أحدا نحر شاة في مذبحها لم تؤكل باتفاق؛ لأن الذكاة لا تكون إلا بقطع الأوداج والحلقوم، والنحر لا يأتي على ذلك فهو ما نحر ولا ذبح، وقد حمل بعض المتأخرين من المؤلفين قول عمر على التخيير بين اللبة والتحليق في النحر، فقال: وظاهر المذهب أنه حيث ما طعن بين اللبة والمذبح أجزأ إذا كان في الودج، واحتج بقول عمر هذا، وبقول مالك في المدونة: ما بين اللبة والمذبح مذبح ومنحر فإن ذبح فجائز، وإن نحر فجائز، وإلى هذا ذهب ابن لبابة في المنتخب، وهذا لا يصح، أما قول عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فقد ذكرنا وجهه، وأما قول مالك رَحِمَهُ اللَّهُ فلم يرد أن ما بين اللبة والمذبح هو موضع للنحر والذبح مع القدرة على ذبح ما يذبح في نحره، ونحر ما ينحر في لبته، وإنما معنى قوله: إنه أجاز النحر والذبح فيما بين اللبة والمذبح إذا لم يصل إلى المذبح، ولا إلى المنحر لسقوط البهيمة في البئر مراعاة لقول من أجاز نحرها، حيث ما أمكن من جنب أو غيره عند الضرورة، لا أنه يرى ذلك موضعا للذبح والنحر من غير ضرورة، وهذا بين من مراده في المدونة إذا تأمل، ولو كان المذبح من البعير موضعا لنحره لكان الذبح هو المختار فيه لأنه أجهز، وهذا خلاف ما أجمعوا عليه من أن الإبل تنحر ولا تذبح، وإنما اختلفوا هل تؤكل إذا ذبحت أم لا تؤكل وهذا كله بين.

.مسألة ذبح ذبيحة فأخطأ بالغلصمة أن تكون بالرأس:

وعن عيسى بن الوليد عن أبي زيد بن عبد الرحمن ابن أبي الغمر عن ابن القاسم عن مالك في من ذبح ذبيحة فأخطأ بالغلصمة أن تكون بالرأس: أن تلك الذبيحة لا تؤكل حتى تكون الغلصمة في الرأس.
قال سحنون وأصبغ وأشهب مثله.
وقال ابن وهب: لا بأس بأكلها، وقال محمد بن عبد الحكم: لا خير في أكله.
قال محمد بن رشد: الغلصمة هي آخر الحلقوم، فإذا ألقاها إلى الجسد في الذبح فلم يقطع من الحلقوم شيئا فالاختلاف في هذه المسألة على اختلافهم في قطع الحلقوم هل هو شرط في صحة الذكاة أم لا؟ فقول مالك في هذه المسألة: إنها لا تؤكل هو على قوله في كتاب الذبائح من المدونة إنها لا تؤكل الذبيحة إلا بقطع الأوداج والحلقوم جميعا، وقد روي عن مالك ما ظاهره: أن قطع الحلقوم ليس بشرط في صحة الذكاة، من ذلك قوله في كتاب الصيد: إذا أدرك الصائد الصيد وقد فرى الكلب أو البازي أوداجه، قال: هذا قد فرغ من ذكاته، وقوله في المبسوط في من ذبح ذبيحة فقطع أوداجها، ثم سقطت في ماء أنه لا بأس بأكلها، وهو ظاهر قول ابن عباس في الموطأ ما فرى الأوداج فكلوه، وقد روي ذلك عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من رواية أبي أمامة الباهلي، وهو ظاهر ما في الصحيحين عنه من قوله، عَلَيْهِ السَّلَامُ: «ما أنهر الدم فكلوه»؛ لأنه وإن كان ورد فيما تصح به الذكاة فهو يقتضي موضع الذكاة، فعلى هذا تؤكل الذبيحة، وإن كان العقدة في الجسد، وإلى هذا ذهب أبو المصعب وأنكر قول من قال: إنها لا تؤكل، وقال: هذه دار الهجرة وفيها المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان لم يذكروا عقدة ولا غيرها، أفكانوا لا يعرفون الذبح؟ وعلى القول الأول لا تؤكل إلا أن تصير منها في الرأس حلقة مستديرة كالخاتم، وإن قطع بعضها وبقي سائرها في الجسد لم تؤكل على القول الأول أيضا، هذا كله على ما لابن القاسم وابن كنانة في المدونة: أنه إن قطع الودجين ونصف الحلقوم أجزأه، وقال سحنون: لا تؤكل، وبالله التوفيق.

.مسألة النمس وصيده:

قال ابن نافع: سئل مالك: عن النمس وصيده، فقال: لا أعرف هذا، فوصف له أمره وصيده، فقال: إن أكل من صيده فلا خير فيه، قال ابن القاسم: لا أدري ما يأكل؟ الكلاب والبزاة تأكل قبل أن تدرك، ولكن إن كان نفعه وألا فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة وقعت في بعض الروايات من كتب المدنيين لابن نافع في الكتاب الذي أوله السارق الذي يدخل البيت، والذي قاله ابن القاسم صحيح، إذ ليس من شرط تعليم الجوارح على مذهب مالك إلا أن يقفه الزجر والإشلاء، وأما أن يترك الأكل فلا، وقال ابن حبيب: إنما ذلك في الكلاب، وأما في الجوارح فتعليمها أن تدعى فتجيب، وأما أن تزجر فتزدجر فليس ذلك فيها، ولا يمكن ذلك منها، وليس ذلك بخلاف لما في المدونة؛ لأنه إنما شرط ذلك فيها إن كان يمكن ذلك منها، وتكلم ابن حبيب على ما يعرف من أن ذلك لا يمكن فيها، وليس قول مالك في النمس مخالفا لأصله في أنه لا يعتبر بأكل الكلب من صيده إذا قفه الزجر والاشلاء، ووجهه أنه لما وصف له من حاله أنه لا يقفه الزجر والاشلاء جعله بترك الأكل من صيده إن كان يمكن أن يقفه ذلك أيضا، فقال: إن أكل من صيده فلا يؤكل، كما أن الطيور التي لا تقفه الزجر يكتفى من تعليمها بأن تدعى فتجيب، وقال ابن حبيب في النمس: إنه ليس يقفه شيئا، فلا يؤكل صيده إلا أن يدرك ذكاته وبالله التوفيق.

.مسألة أكل ما بات من الصيد:

من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب نقدها نقدها مسألة قال عيسى: قال ابن القاسم: وسئل عن الاصماء والانماء فقال: الاصماء ما لم يبت والانماء ما بات، يعني من الصيد.
قال محمد بن رشد: روي عن ابن عباس أنه قال: ما أصميت فكل، وما أنميت فلا تأكل، وأظنه مرفوعا إلى النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وروي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه «نهى عن أكل ما بات من الصيد»، وأنه قال: «لا أدري لعل هوام الأرض قتلته أو أعانت على حتفه»، واختلف أهل العلم في هذا، فمنهم من حمل النهي على عمومه، ولم يجز أكل ما بات من الصيد، إلا أن تدرك ذكاته، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، ومنهم من قال: معنى النهي إذا لم ينفذ الكلب أو البازي مقاتل الصيد، وأما إذا أدركه من الغد قد مات وسهمه في مقاتله أو قد أنفذتها كلابه فلا بأس بأكله؛ لأنه قد أمن مما خافه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أن يكون قد أعان على قتله بعض هوام الليل، وهذا قول ابن الماجشون، وأشهب، وابن عبد الحكم، ومنهم من فرق بين السهم والكلب، فقال: يأكله إذا وجده من الغد ميتا وسهمه في مقاتله، ولا يأكله إذا وجد الكلب قد أنفذ مقاتله، إذ لا يؤمن أن ذلك من فعل الكلب، وهذا قول أصبغ وهو أظهر الأقوال، وهذه الثلاثة الأقوال إنما هي مع إنفاذ المقاتل، وأما إذا وجده من الغد ميتا غير منفوذ المقاتل، فلا اختلاف في أنه لا يؤكل وبالله التوفيق.

.مسألة يرسل كلبه فيعينه عليه كلب آخر:

من كتاب العرية مسألة وسألته: عن الرجل يرسل كلبه، فيعينه عليه كلب آخر معلم أو غير معلم، فقال: لا يؤكل ذلك الصيد كان معلما أو غير معلم إلا أن يكون الكلب الذي أعانه معلما وقد أرسله صاحبه على الصيد بعينه إذا نوياه جميعا فقتله كلباهما فهو حلال لا بأس بأكله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة مبينة لما في المدونة؛ لأنه قال فيها: من أرسل كلبه على صيد فأعانه عليه كلب غير معلم لم يؤكل، وهو لا يؤكل أيضا، وإن كان الكلب الذي أعانه عليه معلما إلا أن يكون صاحبه قد أرسله أيضا عليه بعينه كما قال في هذه الرواية إلا أن يعلم أن كلبه الذي أرسله هو الذي أنفذ مقاتل الصيد، فإنه يأكله وبالله التوفيق.

.مسألة يضرب فخذي الصيد بالسيف فيطيرهما هل يحل أكلهما:

ومن كتاب أوله بع ولا نقصان عليك:
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الذي يضرب فخذي الصيد بالسيف، فيطيرهما هل يحل أكلهما، فقال: كل ضربة ضرب بها من الورك إلى الرأس فجعله جزأين فجميعه حلال، فأما إذا ضربه، فأبان فخذيه ولم يجز له باثنين ولم تبلغ ضربته إلى الجوف، فلا يحل ما أبان منه، وغيره ذكي طيب.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف أنه لا يؤكل ما أبان منه إذا أبان فخذيه ولم يجز له باثنين، ولا اختلاف في أنه يؤكل الجميع إذا أبانه بنصفين، وبلغت ضربته إلى الجوف، وليس في الرواية بيان إذا أبان وركيه مع فخذيه فجعله جزأين ولم يقسمه بنصفين، ولا بلغت ضربته إلى الجوف، وقد اختلف في ذلك، ففي كتاب ابن المواز عن ربيعة ومالك أنه لا يؤكل ما أبان منه، وقال ابن حبيب: إنه لا يؤكل إلا أن يكون العجر كله في الجزء الأسفل؛ لأنك قد قطعت من جوفه فكأنك قد قطعت وسطه، والصواب: أنه إذا أبان فخذيه مع وركيه فجعله جزأين، وإن كان العجز كله أو بعضه في الجزء الأسفل أن يؤكل الجميع؛ لأنه لا يمكن أن يتعيش، فهذا هو الأصل لا مراعاة النصف ولا الجوف، ألا ترى لو قطع نصف رأسه لأكل الجميع، إذ لا يمكن أن يعيش وقد قطع نصف رأسه؛ لأن ذلك مقتل، ولو أبان خطمه لم يؤكل الخطم إذ ليس بمقتل، وإن كان لا يمكن أن يعيش إذ إنما يموت جوعا، إذ لا يمكن أن يرعى ولو صب في حلقه ما يتغذى به لا يمكن أن يعيش.

.مسألة أصاب الصيد بسلاحه فأطار رجله فمات:

قال ابن القاسم: إذا أصبت الصيد بسلاحك فأطرت رجله أو خسقت في لحمه، ثم فاتك بنفسه فمات فأكله حلال، وإن لم تدرك ذكاته.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها، وهو مما لا اختلاف فيه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: 94] الآية.

.مسألة الرجل يأتي إلى الغار فيدخل كلبه فيه هل يحل أكل ما قتل:

ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس مسألة:
وسألته: عن الرجل يأتي إلى الغار، فيدخل كلبه فيه وهو لا يدري أفيه شيء أم لا؟ وهو ينوي ما فيه هل يحل أكل ما قتل؟ قال: سألنا مالكا عن ذلك، فقال: ما قتل فهو حلال، قال سحنون في الذي يرسل كلبه في الجحر وهو لا يدري أفيه شيء أم لا، وينوي إن كان فيه شيء أرسله عليه فأصاب فيه صيدا فقتله، فقال: لا يحل أكله، وكذا لو أن رجلا أرسل كلبه في غايضة ولا يرى شيئا ونيته إن كان فيها شيء صاده، فأصاب صيدا أنه لا يؤكل.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم على أصله في المدونة خلاف قول سحنون، وقد مضى القول على هذا في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم.

.مسألة يسرح كلبه على صيد بعينه فتتبعه صيود فيجد كلبه قد قتل صيدا:

قلت لابن القاسم: فالرجل يسرح كلبه على صيد بعينه فتتبعه صيود، فتند كلها فيتوارى عنه فيجد كلبه قد قتل صيدا قال: لا يحل أكله حتى يعرفه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال صحيح على ما في المدونة وغيرها: أنه لا يأكل ما قتله كلبه إلا أن ينويه أو يدرك ذكاته سواء رآه أو لم يره على مذهب ابن القاسم خلاف قول سحنون في المسألة التي قبل هذه وبالله التوفيق.

.مسألة يسد في خليج بحر للصيد:

ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار:
مسألة قال ابن القاسم: ليس لأحد أن يسد في خليج بحر، ولا واد، أن يسد سد الصيد أن يمنع الناس من الصيد فيه، وهو والناس والصيد فيه سواء.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن النهر لجميع المسلمين، فليس أحد أحق فيه بالصيد من أحد، وإن كان يليه بأرضه من جانبيه، ولا له أن يسد فيه سدا للصيد، ولا أن يعمل فيه منصبا للصيد ينفرد فيه دون غيره، فإن فعل كان أحق بالصيد فيه حتى يأخذ قدر حاجته، ثم يشترك جميع الناس معه فيه، قال ذلك مطرف، وابن الماجشون في الواضحة، وذلك عندي بعد أن يستغل منه قدر نفقته فيه وبالله التوفيق..

.مسألة خلص الصيد من الكلب فبدر إلى شفرة فمات الصيد ولم يخرجها:

ومن كتاب التمرة:
مسألة قال ابن القاسم، وابن وهب: إذا خلص الرجل الصيد من الكلب فبدر إلى شفرة فبينما يخرجها وهي في حزامه مات الصيد، فلا بأس بأكله قال ابن القاسم: وهذا إذا كانت الشفرة معه، وأما إن كانت في خرج فمات فلا تؤكل.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، والمعنى في ذلك بين؛ لأن الشفرة إذا كانت معه في حزامه ولم يفرط وصار ذلك بمنزلة ما لو لم يدركها حتى قتلها الكلب، وأما إن لم تكن الشفرة معه، وكانت في خرجه أو مع رجل ينتظره حتى يلحق أو ما أشبه ذلك مما يكون فيه بعد فلا يؤكل؛ لأنه عسى لو كانت الشفرة معه لأدرك ذكاته، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل ينصب الحبالة للصيد فيصطاد بها القوم هل لصاحب الحبالة شيء:

ومن كتاب أوله جاع فباع امرأته:
مسألة وسألت ابن القاسم: عن الرجل ينصب الحبالة للصيد، أو الفخ أو يعمل الحفرة ليقع فيها الصيد، فيخرج قوم فيطردون الصيد إلى ذلك المنصب فيه هل ترى لصاحب الحفرة أو الفخ أو الحبالة شيئا من الصيد؟ قال: نعم أرى أن يكون شريكا معهم في ذلك الصيد بقدر ما يرى له، قال أصبغ: أراه للذي طرد الصيد إلى الحبالة أو الحفرة واضطره إليها، وإلى الوقوع فيها، وعليه قيمة ما انتفع بالحبالة أو الحفرة، وإنما مثل الحبالة مثل ما لو تعدى على قوس رجل فرمى به صيدا فصاده أو خرج بأكلبه أو بزاته متعديا فصاد بها فالصيد له، وعليه قيمة ما انتفع به من قوسه ونبله وكلابه وبزاته، قال عيسى: قلت لابن القاسم: فلو لم يكونوا طردوا الصيد إلى ذلك المنصب، ولا أرادوه إلا أنهم طردوا صيدا، فاتبعوه حتى وقع فيه فقال: إن كان الصيد قد انقطع من الذين طردوه وهم منهم حيث شاء فسقط في ذلك المنصب فهو لصاحب المنصب دون الذين طردوه، وإن كانوا قد أعيوه، وأشرفوا منه على الرجاء والأخذ وكان كالشيء الذي قد حازوه لقدرتهم عليه حتى أسقطوه، فوقع في ذلك المنصب فهو للذين طردوه دون صاحب المنصب وليس لصاحب المنصب فيه قليل ولا كثير إذا كان على ما وصفت لك، وقال أصبغ مثله، قلت له: من حفر حفرة للصيد أو نصب حباله أو فخاخه، فوقع فيه الصيد فهو له، وإن وجد غيره قد وقع فيه الصيد لم يكن له أن يأخذه؟ قال: نعم ذلك له دون جميع الناس، وليس للذي وجده فيه قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة على معنى ما في المدونة في مسألة الصيد يطرده القوم حتى يدخل دار رجل وهم على بعد منه أو قرب، فيأخذه فيه، وعلى ما حكى ابن حبيب في الواضحة، ولا إشكال على مذهبه إذا طردوه إلى المنصب وقصدوا إيقاعه فيه فوقع فيه وهو متبوعون له على قرب منه أو بعد ما لم ينقطع عنهم أنهم فيه شركاء بقدر ما يرى له ولهم، وكذلك لا إشكال على مذهبه إذا كانوا على بعد منه ويئس من أخذه فمشى باختياره، وقد انقطع عنهم حتى وقع فيه أنه لصاحبه ولا حق لهم فيه، وكذلك لا إشكال على مذهبه لو طردوا صيدا ليأخذوه وهم لا يريدون إيقاعه في المنصب، فلما أعيوه وأشرفوا على أخذه، وكان كالشيء الذي قد ملكوه وحازوه لقدرتهم عليه وقع في المنصب دون أن يقصدوا إيقاعه فيه أنه لهم، ولا شيء لصاحب المنصب فيه، وانظر لو كانوا إنما طردوه وأعيوه وأكلوه وهم لا يريدون إيقاعه في المنصب فلما أشرفوا على أخذه قصدوا إيقاعه في المنصب ليخف عنهم في أخذه بعض النصب، فلم يقع في ذلك من قوله في هذه الرواية ولا في الواضحة بيان، والذي ينبغي في ذلك على مذهبهم أن يكون لهم، ويكون عليهم لصاحب المنصب قيمة انتفاعهم بمنصبه، وكذلك ينبغي أن يكون الجواب لو طردوا صيدا إلى دار رجل فأخذوه فيه، وقد حكى عبد الحق في ذلك عن شيوخه قولين؛ أحدهما: أنه لا- حق لصاحب الدار في ذلك إذ لم يتخذ الدار للصيد، والثاني: أن يكون معهم شريكا فيه كالمنصب سواء وكلا القولين عندي بعيد، والذي قلته أشبه وأولى، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم في هذه المسألة أنه لما كان المنصب هو الذي أمسك الصيد على الطارد حتى أخذه صار معاونا له على الصيد ومشاركا له فيه، فوجب أن يكون بينه وبين صاحب المنصب كما لو تعدى رجل على عبد رجل فخرج به وصاد معه صيدا أنه يكون بينهما، ووجه قول أصبغ أنه جعل المنصب والحبالة كقوس الرجل أو كفرسه يتعدى عليه الرجل فيصطاد به عند الجميع أو كبازه وكلبه على مذهبه، ولو قيل: إن الصيد يكون لصاحب المنصب، ويكون عليه للذين طردوا الصيد إليه أجرة مثلهم إلا أن يشاء أن يسلم الصيد إليهم قياسا على قول ابن القاسم في الذي يتعدى على كلب رجل أو بازه فيصيد به صيدا لكان قولا وبالله التوفيق.